ابن عجيبة

242

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

مدين . وروى أنه خرج بلا زاد ولا درهم ، ولا ظهر ، ولا حذاء - أي : نعل - ، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ، فما بلغ مدين حتى وقع خفّ قدمه ، وخضرة البقل ترى على بطنه « 1 » . وَلَمَّا وَرَدَ ؛ وصل ماءَ مَدْيَنَ ؛ بئرا لهم ، وَجَدَ عَلَيْهِ ؛ على جانب البئر أُمَّةً ؛ جماعة كثيرة مِنَ النَّاسِ ؛ من أناس مختلفين يَسْقُونَ مواشيهم ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ ؛ في مكان أسفل من مكانهم امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ : تطردان غنمهما عن الماء ، حتى تصدر مواشي الناس ثم تسقيان ؛ لأن على الماء من هو أقوى منهما ، فلا يتمكنان من السقي . أو : لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم . والذود : الطرد والدفع . قالَ لهما موسى : ما خَطْبُكُما : ما شأنكما لا تسقيان ؟ والأصل : ما مخطوبكما ، أي : مطلوبكما ، فسمى المطلوب خطبا ، قالَتا لا نَسْقِي غنمنا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ، أي : يصرفوا مواشيهم ، يقال : أصدر عن الماء وصدر ، والمضارع : يصدر ويصدر ، والرعاء : جمع راع ، كقائم وقيام ، والمعنى : لا نستطيع مزاحمة الرجال ، فإذا صدروا سقينا مواشينا ، وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ السن ، لا يمكنه سقى الأغنام ، وهو شعيب بن نويب بن مدين بن إبراهيم - عليهما السلام - وقيل : هو « يثرون » بن أخي شعيب « 2 » ، وكان شعيب قد مات بعد ما كفّ بصره ، ودفن بين المقام وزمزم . والأول أصح وأشهر . فَسَقى لَهُما أي : فسقى غنمهما لأجلهما ؛ رغبة في المعروف وإغاثة الملهوف ، روى أنه نحى القوم عن رأس البئر ، وسألهم دلوا ، فأعطوه دلوهم ، وقالوا : استق به ، وكانت لا ينزعها إلا أربعون ، فاستقى بها ، وصبها في الحوض ، ودعا بالبركة . وقيل : كانت آبارهم مغطاة بحجارة كبار ، فعمد إلى بئر ، وكان حجرها لا يرفعه إلا جماعة ، فرفعه وسقى للمرأتين . ووجه مطابقة جوابهما سؤاله : أنه سألهما عن سبب الذود ، فقالتا : السبب في ذلك أنا امرأتان مستورتان ضعيفتان ، لا نقدر على مزاحمة الرجال ، ونستحي من الاختلاط بهم ، فلابد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا . وإنما رضى شعيب عليه السّلام لابنتيه بسقى الماشية ؛ لأن الأمر في نفسه مباح مع حصول الأمن ، وأما المروءة فعادات الناس فيها متباينة ، وأحوال العرب فيها خلاف أحوال العجم ، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر ، خصوصا إذا كانت الضرورة . قاله النسفي . قلت : وقد كنت أعترض على أهل الجبل رعي النّساء المواشي حتى تذكرت قضية ابنتي شعيب ، لكن السلامة في زماننا هذا حبس النساء في الديار ؛ لكثرة أهل الفساد .

--> ( 1 ) انظر تفسير ابن كثير ( 3 / 383 - 384 ) . ( 2 ) ذكره في تفسيره ( 6 / 200 ) عن وهب بن منبه .